فخر الدين الرازي
118
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الثريا ، وقال الفراء : إنه زحل ، لأنه يثقب بنوره سمك سبع سماوات ، وقال آخرون : إنه الشهب التي يرجم بها الشياطين ، لقوله تعالى : فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [ الصافات : 10 ] . المسألة الرابعة : روي أن أبا طالب أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأتحفه بخبز ولبن ، فبينما هو جالس يأكل إذ انحط نجم فامتلأ ماء ثم نارا ، ففزع أبو طالب ، وقال : أي شيء هذا ؟ فقال : هذا نجم رمي به ، وهو آية من آيات اللّه ، فعجب أبو طالب ، ونزلت السورة . [ في قوله تعالى إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ] واعلم أنه تعالى لما ذكر المقسم به أتبعه بذكر المقسم عليه : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ وفيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : لَمَّا قراءتان إحداهما : قراءة ابن كثير وأبي عمرو ونافع والكسائي ، وهي بتخفيف الميم والثانية : قراءة عاصم وحمزة والنخعي بتشديد الميم . قال أبو علي الفاسي : من خفف كانت إِنْ عنده المخففة من الثقيلة ، واللام في لَمَّا هي التي تدخل مع هذه المخففة لتخلصها من إن النافية ، وما صلة كالتي في قوله : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ آل عمران : 159 ] و عَمَّا قَلِيلٍ [ المؤمنون : 40 ] وتكون إِنْ متلقية للقسم ، كما تتلقاه مثقلة . وأما من ثقل فتكون إِنْ عنده النافية ، كالتي في قوله : فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ [ الأحقاف : 26 ] و لَمَّا في معنى ألا ، قال : وتستعمل لَمَّا بمعنى ألا في موضعين أحدهما : هذا والآخر : في باب القسم ، تقول : سألتك باللّه لما فعلت ، بمعنى ألا فعلت . وروى عن الأخفش والكسائي وأبي عبيدة أنهم قالوا : لم توجد لما بمعنى ألا في كلام العرب . قال ابن عون : قرأت عند ابن سيرين لما بالتشديد ، فأنكره وقال : سبحان اللّه ، سبحان اللّه ، وزعم العتبي أن لَمَّا بمعنى ألا ، مع أن الخفيفة التي تكون بمعنى ما موجودة في لغة هذيل . المسألة الثانية : ليس في الآية بيان أن هذا الحافظ من هو ، وليس فيها أيضا بيان أن الحافظ يحفظ النفس عما ذا . أما الأول : ففيه قولان : الأول : قول بعض المفسرين : أن ذلك الحافظ هو اللّه تعالى . أما في التحقيق فلأن كل وجود سوى اللّه ممكن ، وكل ممكن فإنه لا يترجح وجوده على عدمه إلا لمرجح وينتهي ذلك إلى الواجب لذاته ، فهو سبحانه القيوم الذي بحفظه وإبقائه تبقى الموجودات ، ثم إنه تعالى بين هذا المعنى في السماوات والأرض على العموم في قوله : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [ فاطر : 41 ] وبينه في هذه الآية في حق الإنسان على الخصوص وحقيقة الكلام ترجع إلى أنه تعالى أقسم أن كل ما سواه ، فإنه ممكن الوجود محدث محتاج مخلوق مربوب هذا إذا حملنا النفس على مطلق الذات ، أما إذا حملناها على النفس المتنفسة وهي النفس الحيوانية أمكن أن يكون المراد من كونه تعالى حافظا لها كونه تعالى عالما بأحوالها وموصلا إليها جميع مناقعها ودافعا عنها جميع مضارها . والقول الثاني : أن ذلك الحافظ هم الملائكة كما قال : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [ الأنعام : 61 ] وقال : عَنِ / الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 17 ، 18 ] وقال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ [ الانفطار : 10 ، 11 ] وقال : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : 11 ] .